عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

293

اللباب في علوم الكتاب

ويقال : فرد يفرد فرودا فهو فارد ، وأفردته أنا ، ورجل أفرد ، وامرأة فرداء كأحمر وحمراء ، والجمع على هذا فرد كحمر ، ويقال في فرادى : « فراد » على زنة « فعال » ، فينصرف ، وهي لغة « تميم » وبها قرأ عيسى « 1 » بن عمر ، وأبو حيوة : « ولقد جئتمونا فرادا » وقال أبو البقاء « 2 » : وقرىء بالشاذ « 3 » بالتنوين على أنه اسم صحيح ، فقال في الرفع فراد مثل : « تؤام ودخال وهو جمع قليل » . انتهى . ويقال أيضا : جاء القوم فراد غير منصرف ، فهو كأحاد ورباع في كونه معدولا صفة ، وهو قراءة شاذّة هنا . وروى خارجة عن نافع ، وأبي عمرو كليهما « 4 » أنهما قرأ « فرادى » مثل « سكارى » اعتبارا بتأنيث الجماعة ، كقوله تبارك وتعالى : وَتَرَى النَّاسَ سُكارى وَما هُمْ بِسُكارى [ الحج : 2 ] فهذه أربع قراءات مشهورة ، وثلاث في الشواذ فراد الرجال ، فرادا كأحاد ، فردى كسكرى . قوله : « كَما خَلَقْناكُمْ » في هذه أوجه : أحدها : أنها منصوبة المحل على الحال من فاعل « جئتمونا » فمن أجاز تعدّد الحال أجاز من غير تأويل ، ومن منع ذلك جعل « الكاف » بدلا من « فرادى » . الثاني : أنها في محلّ نصب نعتا لمصدر محذوف ، أي : مجيئا مثل مجيئكم يوم خلقناكم ، وقدره « 5 » مكي : منفردين انفرادا مثل حالكم أول مرة ، والأوّل أحسن ؛ لأن دلالة الفعل على المصدر أقوى من دلالة الوصف عليه . الثالث : أن « الكاف » في محلّ نصب على الحال من الضمير المستكنّ في « فرادى » ، أي : مشبهين ابتداء خلقكم ، كذا قدّره أبو البقاء « 6 » ، وفيه نظر ؛ لأنهم لم يشبهوا بابتداء خلقهم ، وصوابه أن يقدر مضافا أي : مشبهة حالكم حال ابتداء خلقكم . قوله : « أوّل مرّة » منصوب على ظرف الزمان ، والعامل فيه « خلقناكم » ، و « مرة » في الأصل مصدر ل « مرّ يمرّ مرّة » ثم اتّسع فيها ، فصارت زمانا . قال أبو البقاء « 7 » رحمه اللّه : « وهذا يدلّ على قوة شبه الزمان بالفعل » . وقال أبو حيان « 8 » : « وانتصب « أَوَّلَ مَرَّةٍ » على الظرف ، أي : أول زمان ولا يتقدّر أوّل خلق ؛ لأن أول خلق يستدعي خلقا ثانيا ، إنما ذلك إعادة لا خلق » . يعني : أنه لا يجوز أن يكون المرّة على بابها من المصدريّة ، ويقدر أوّل مرة من الخلق لما ذكر .

--> ( 1 ) ينظر : المشكل 1 / 278 . ( 2 ) ينظر : الإملاء 1 / 253 . ( 3 ) ينظر : الدر المصون 3 / 125 . ( 4 ) ينظر : الدر المصون 3 / 125 ، البحر المحيط 4 / 185 . ( 5 ) ينظر : المشكل 1 / 278 . ( 6 ) ينظر : الإملاء 1 / 253 . ( 7 ) ينظر : المصدر السابق . ( 8 ) ينظر : البحر المحيط 4 / 185 - 186 .